
ابن عمي نورهان العشري
الجو في المندرة كان خانق، ريحة البخور والقهوة السادة مغطية المكان، والحاج رضوان قاعد على الكرسي الكبير الخشب، ساند إيديه على عصايته الأبنوس وناظر لحفيده “وجيه” اللي رايح جاي زي النمر المحبوس.
* وجيه (بصوت جهوري وعروق رقبته ناطقة): “يا جدي اتقي الله فيا! أنا وجيه اللي الكل بيعملي ألف حساب، اللي كلمتي سيف على رقبة الصغير والكبير، تكسر كلمتي وتجوزني عيلة لسه بتقول يا هادي؟ أنا قلبي مش هنا، قلبي مع بنت البندر اللي قولتلك عليها!”
* الحاج رضوان (ببرود وهدوء مرعـ,ـب): “بنت البندر دي تتسلى بيها في البندر، إنما هنا..
في بيت العيلة، الست لازم تكون من طينتنا. قمر بنت عمك يتيمة، وأبوك وصاني عليها قبل ما يقابل وجه كريم. البت دي جوهرة ومحدش هيصونها غيرك.”
* وجيه (بسخـ,ـرية): “يصونها؟ دي عيلة متربية وسطينا، يعني زي أختي! إزاي تطلب مني أشوفها غير كدا؟”
* الجد (قام وقف وخبط بالعصاية في الأرض): “اسمع يا ابن الغالي.. أنا كلمتي واحدة. يا تتجوز قمر وتستلم مفاتيح المزرعة والبيت وورث أبوك اللي باسمي، يا إما بكرة الصبح المحامي يجي، وكل مليم باسمي واسم أبوك يتكتب لمين؟ لـ ‘قمر’.
وتطلع أنت من هنا ملكش ولا شبر في أرضنا وتشوف بقى بنت البندر هترضى بيك وأنت حافي كدا ولا لأ!”
وجيه وقف مذهول، الكبرياء بيصارع الطمع والحق، بس في الآخر بص لجده بنظرة غضـ,ـب مكتوم وقاله:
“هتجوزها يا جدي، بس قسماً بالله ما حد هيشيل ذنب كسر قلبي وقلبها غيرك.”
مر أسبوع و جه يوم الفرح بقلم نورهان العشري
البيت كله كان بيزغرد، والأنوار منورة النجوع اللي حواليهم، و الدبايح شغاله مبتهداش و الكل خد نصيبه سواء غنى أو فقير و الفرح بالليل كان مهيب و مليان ترف و بزخ و تمر الساعات و الفرح يخلص و الكل يروح فرحان و طبعا الفرحة الكبيرة كانت من نصيب قمر اللي اخيرا اتجوزت حب عمرها بس جوه أوضة العروسة، كانت قمر كانت قاعدة بتهز رجليها من التوتر، فستانها الأبيض المنفوش كان مخليها زي الملكة، وعيونها كانت بتلمع
بفرحة “مستخبية” لأنها طول عمرها بتعشـ,ـق ابن عمها وجيه في صمت.
فجأة الباب اتفتح، ودخلت “أمل” أخت وجيه، بابتسامة باردة ولبس مبهرج و عنين مليانه حقد و كره
* أمل (وهي بتدور حول قمر بشماتة): شكلك فرحانه اوي يا عروسة بس يا خسارة فرحتك مش هتكون كتير
* قمر (بدهشة): “في إيه يا أمل؟ ليه بتقولي كدا؟”
* أمل (بضحكة خبـ,ـيثة): ” مبروك يا بنت عمي.. يا عيني، شكلك مصدقة إن الليلة دي ليلة حب بجد؟ صعبانه عليا غلبك.. وجيه أخويا كان هيهد البيت كله عشان ميتجوزكيش، ده كان عايز يروح يتجوز حبيبته اللي في المدينة.
بس جدي مسكه من أيده اللي بتوجعه و قاله يا تتجوز قمر وتورث، يا تترمي في الشارع وقمر تاخد كل حاجة. وجيه شاطر وبتاع مصلحته، وافق يشتريكِ بالفستان الأبيض ده عشان ميخسرش حقه . إنتِ بالنسباله ‘ثمن الميراث’ مش أكتر.
قمر حست بخنجر دخل قلبها، الدموع جمدت في عينيها والزغاريط اللي بره بقت بالنسبالها زي صوت الجـ,ـنازة و وقعت على السرير وراها حتى مشافتش أمل وهي بتبصلها بشـ,ـماته قبل ما تخرج و مر وقت متعرفش قد ايه
وجيه دخل الأوضة، كان لابس الجلباب الصعيدي الفخم والعباية السودة، هيبته تملى المكان. لقى قمر واقفة في ركن الأوضة وبتترعش.
* وجيه (بجمود): “مبروك يا بنت عمي. اقلعي الطرحة يالا خلينا نخلص من الليلة الطويلة دي.” بقلم نورهان العشري
* قمر (بصوت مشـ,ـروخ ومنهار): “متقربش مني يا وجيه! إياك تلمسني! أنا مش أرض بور اشتريتها بفلوس جدك!”
* وجيه (استغرب وعصبيته طلعت): “إيه اللي بتقوليه ده؟ أنتِ هتتجنني عليا من أول ليلة؟”
* قمر (بصراخ وبكاء): “أنا عرفت كل حاجة.. عرفت إنك بايع قلبك وجاي هنا عشان الورث! ليه تعمل فيا كدا؟ أنا ذنبي إيه تكسـ,ـرني بالطريقة دي؟ اخرج بره.. اخرج وخد الورث والفلوس وسيبني في حالي!”
وجيه اتنرفز جداً وزعق فيها بصوت هز الحيطان:
“أنا وجيه اللي الكل بيترعب من اسمه، بنت زيك ترفع صوتها عليا؟ خليكي كدا.. خليكي بدموعك، أنا أصلاً مش طايق القعدة هنا!”
وساب الأوضة ورزع الباب وراه، وسابها مكسورة بتعيط على حلم عمرها اللي ضاع.
عدى كام يوم والجو في البيت كان مشحون.
وجيه كان قاعد في الجنينة و متضايق من نفسه و من اللي عمله في قمر البنت الجميلة اللي رباها على إيديه و مكنش يتخيل يكسر بخاطرها كدا، من وقت اللي حصل وهو قلبه واجعه اوي و مش طايق نفسه و هيتجنن و يروح يتطمن عليها و بيكابر وجيه نفخ بضيق و قام يتمشى في الجنينة و وهو عند أحد الشبابيك سمع أمل أخته وهي بتضحك مع صاحبتها في التليفون وبتقول: بقلم نورهان العشري
“ده أنا خليت ليلتها سودة، قولتلها إنه متجوزها عشان الورث بس، خلتها تفر منه زي المجنونة.”
وجيه الدنيا لفت بيه، حس إنه ظلم قمر ببروده وجفائه.
جري على أوضتها، لقى الباب موارب، وسمعها بتكلم أمها وهي بتشهق من كتر العياط.
* قمر (بصوت يقطع القلب): “يا ماما أنا حبيته من وأنا عيلة صغيرة.. كنت بقول وجيه ده هو سندي وضهري. مكنتش أعرف إني رخيصة عنده قوي كدا، وإنه شايفني مجرد ‘شرط’ في ورقة ورث. أنا قلبي اتكسر يا ماما، ومبقتش قادرة أبص في وشه.”
وجيه دخل الأوضة فجأة، قمر اتخضت ومسحت دموعها بسرعة.
* وجيه (بصوت واطي ومليان ندم):
“أنا اللي قلبي كان أعمى يا قمر.. الحقيقة مش زي ما أمل قالتلك.”
* قمر (بعزة نفس):
“مش مهم الحقيقة إيه، المهم إنك هنا غصب عنك.”
* وجيه (قرب منها ومسك إيديها بتملك وحنية): “والله العظيم ما غصب عني.. أنا اكتشفت إني كنت بكابر، وإني من يوم ما شوفتك كبرتي وبقيتي عروسة وقلبي بيدق ليكي بس كنت بخاف أضعف و كنت شايف فرق السن بيننا كبير . وأما موضوع الورث، فملعـ,ـون أبو الفلوس اللي تخليكِ تعيطي بالشكل ده. أنا بحبك يا قمر.. واليوم اللي فكرت فيه غير كدا كنت غبي.”
* قمر (بصدمة):
“بجد يا وجيه؟”
* وجيه:
“بجد يا قلب وجيه..
وحقك هيتاخد دلوقتي حالا قدام الكل.”
وجيه مسك إيد قمر بقوة، وطلع بيها لوسط الصالة الكبيرة اللي بيجتمع فيها العيلة كلها.
* وجيه (بزعيق هز البيت):
” أمل!”
أمل نزلت تجري وهي مخضوضة، والجد طلع من مكتبه والكل اتجمع.
* وجيه (وعينه في عين أمل بنظرة نـ,ـار): “انطقي قولي قدام الكل.. قولي لمراتي إيه السـ,ـم اللي قولتيه في ودنها يوم الفرح؟” بقلم نورهان العشري
* أمل (بترتعش):
“يا وجيه أنا.. أنا كنت بهزر..”
* وجيه (بصوت زي الرعد):
“تعتذري منها وتوطي على إيدها تبـ,ـوسيها وتعرفي إن قمر دي هي ‘ست البيت’ الحقيقية، والورث اللي بتتكلمي عليه، أنا هكتبه كله باسمها النهاردة، عشان تعرفي إني متجوزها هي، مش متجوز فلوس!”
أمل اعتذرت وهي بتبكي من الخوف والخجل، والجد كان بيبتسم بفخر. وجيه بص لقمر ورفع إيدها وباسها قدام الكل وقال بصوت كله ثقة:
* وجيه:
“أنا بحب قمر، واللي يمس شعرة منها بكلمة، يبقى فتح على نفسه أبواب جهنم..
قمر دي دنيتي، والكل يعملها حساب من اللحظة دي.”
قمر استخبت في ضهر وجيه وهي حاسة لأول مرة إنها فعلاً “قمر” اللي نورت حياة ابن عمها الصعيدي “وجيه”.
إيه رأيك في الطول ده؟ تحبي أزود تفاصيل أكتر في مشهد معين؟
بقلم نورهان العشري

